محمد أمين المحبي
20
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )
بعد قوله : جللا كما بي فليك التّبريح يقول : ليكن تبريح الهوى عظيما مثل ما حلّ بي ، أتظنّون أنّ من فعل بي يغتذي الشّيح ؛ ما غذاؤه إلا قلوب العشّاق ! وبه يتناسب شطرا البيت . وله في غلام بحنكه طابع تمّت به محاسنه ، وكأنما هاروت ساكنه : [ الرمل ] غصن بان فوقه بدر دجى * يتجلّى من أعالي فلكه قد حمى برد اللّمى من ثغره * طابع الحسن الذي في حنغكه نصبت ألحاظه لي شركا * جلّ من أوقعني في شركه قوله : « قد حمى » إلخ يحتمل أن حمايته من جهة أنه كان كالخاتم ، ختم به على برد اللّمى ، ويحتمل أن يكون حماه لكونه كالحفرة في طريق من يريد رشف لماه ، فيخاف من الوقوع ، وهذا تخيّل حسن . وأحسن منه قوله : وطابعه جبّ يرى ألف يوسف * به واقعا من قبل رشفة ريقه والطابع كالخاتم : في الأصل ما يطبع به ، ولم أر إطلاقه على النّقرة المعهودة ، وإنما اسمها في اللغة : نونة . قال ابن الأثير في « نهايته » : وفي حديث عثمان رضي اللّه عنه ، أنه رأى صبيّا مليحا ، فقال : « دسّموا نونته ، كي لا تصيبه العين » « 1 » . أي : سوّدوها ، وهي النّقرة التي تكون في الذّقن . وقد استعمل صاحبنا الأديب البارع إبراهيم بن محمد السّفرجلاني النّونة ، وأجاد في تشبيهها جدا ، من أبيات أنشدنيها من لفظه ، وبيت النّونة منها قوله : وإن أشبه التّفّاح خدّي حمرة * فلي نونة تحكي مناط عروقه والأبيات هذه هي : بروحي ساق قد جلا تحت فرعه * جبينا كبدر التّمّ عند شروقه سقاني بنجلاويه كأسا من الهوى * فأسكرني أضعاف سكر رحيقه « 2 » وقال افترع بكر المعاني تغزّلا * فلي منظر يهديك نحو طريقه فوجهي مثل الرّوض إذ باكر الحيا * جنيّ أقاحيه وغضّ شقيقه وإن أشبه التفاح . إلخ . . . * . . . . ثم أنشدني المذكور معنى اخترعه في تسويدها ، وذلك قوله :
--> ( 1 ) النهاية في غريب الحديث 2 / 117 . ( 2 ) بنجلاويه : بعينيه . والنّجيل : سعة شق العين مع حسن . انظر لسان العرب ، مادة ( نجل ) .